الشيخ محمد رشيد رضا

101

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ما هو أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء ، كهذا المثال الذي ذكرناه ، وانما هذا من قبيل ما يحاسب عليه أنفسهم الصديقون ، ويقال في مثله حسنات الأبرار سيئات المقربين ، والحق ان من جاء بالاحسان لأنه إحسان فهو مرضي عند اللّه نافع للناس ، فلا يضيره حبه ان يحمد بما فعل ، وان كان عدم المبالاة بذلك لذاته أكمل ، وقد بينت ذلك بالتفصيل في تفسير ( 3 : 188 لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا ) الآية فراجعه في ص 288 - 225 من الجزء الرابع من التفسير ، أو في المنار الأستاذ الامام : ثم وصف اللّه تعالى هؤلاء المجرمين المرائين بقوله وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وهو من عطف السبب على المسبب والعلة على المعلول ، ذلك بأن المرائي يثق بما عند الناس ما لا يثق بما عند اللّه ، ويرجح التقرب إليهم على التقرب اليه ، ويؤثر ما عندهم من المدح وتوقع النفع ، على ما أعده اللّه في الآخرة على الايمان وعمل الصالحات ، فاللّه في نظره المظلم أهون من الناس ، فهل يعد مثل هذا مؤمنا باللّه ايمانا حقيقيا مؤمنا باليوم الآخر كما يجب ؟ أم يكون إيمانه تخيلا كتخيل الشعراء ، وقولا كقول الصبيان : واللّه ما فعلت كذا . فالواحد منهم ينطق باسم اللّه ويؤكد باسمه الكريم الكلام وهو لا يعرف اللّه وانما يسمع الناس يقولون قولا فيقلدهم بما بحفظ منه ، لا يعرف انه هو موجد الكائنات ، النافذ علمه وقدرته بما في الأرض والسماوات ، فهل يكون مثل هذا مؤمنا باللّه واليوم الآخر ؟ كلا انه لو كان مؤمنا باليوم الآخر موقنا بأن له هنالك حياة أبدية لا نهاية لها ، لما فضل عليها عرض هذه الحياة القصيرة التي لا قيمة لها ومن آيات الفرق بين المخلص والمرائي ان المرائي يلتمس الفرص والمناسبات للفخر والتبجح بما أعطى وما فعل والمخلص قلما يتذكر عمله أو يذكره الا لمصلحة كأن يرغب بعض الناس في البذل فيقول للغني مثلا انني على فقري أو على قدر حالي قد أعطيت في مصلحة كذا كذا درهما أو دينارا فاللائق بك ان تبذل كذا وأقول إن من شأن الكافر الذي لا يؤمن باللّه ولا باليوم الآخر ان لا يبذل